على مشارف مدينة سبتة، يقف الراغبون بالهجرة غير النظامية في أرض مغربية وأمامهم مدينة خاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل الأفريقي؛ يمكن بلوغها عبر البحر بمحاذاة الشاطئ، أو بمحاولة اجتياز السياج الحدودي الذي يفصلها عن المغرب. وما إن يصل إليها المهاجر حتى يكون قد انتقل من فضاء جغرافي وقانوني إلى آخر، وإلى أحلام مؤجلة روادته طويلا.
لكن في 30 يوليو/تموز الماضي، لم يعد هذا الشريط الضيق مجرد حدود بين المغرب وسبتة. خلال ساعات، تحول إلى واحدة من أكثر نقاط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي هشاشة.
دخل عشرات الآلاف المدينة في موجة عبور غير مسبوقة. وقدّر البرلمان الأوروبي لاحقاً عدد الذين عبروا براً وبحراً بين 29 و31 يوليو/تموز بنحو 80 ألف شخص، إضافة إلى مئات وصلوا إلى مليلية، مع إقراره بأن العدد النهائي للعابرين والضحايا ظل موضع تدقيق.¹ لكن الرقم، على ضخامته، لا يختصر ما حدث.
ففي أسابيع قليلة، انتقلت تداعيات الأزمة من مدينة صغيرة على الساحل الأفريقي- المغربي إلى قلب النقاش الأوروبي حول شنغن واللجوء والوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) والعودة ومسؤولية حماية الحدود الخارجية. وأعادت دول أوروبية الرقابة على بعض حدودها الداخلية، بينما عاد الخلاف حول من يتحمل عبء المهاجرين، وإلى أي مدى يمكن تشديد إجراءات اللجوء عندما تواجه إحدى الدول تدفقاً استثنائياً.
ومن اللافت أن الأزمة انفجرت بينما كانت الأرقام الإسبانية تسير، ظاهرياً، في الاتجاه المعاكس. فحتى 30 يونيو/حزيران 2026، انخفض إجمالي الوصول غير النظامي إلى إسبانيا بنسبة 32% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما انخفض الوصول إلى جزر الكناري بنسبة 67%. لكن خلف هذا التراجع كان مؤشر آخر يتحرك في الاتجاه المضاد، إذ ارتفع الوصول البري إلى سبتة ومليلية بنسبة 155%، وفي سبتة وحدها بلغ الارتفاع 164%.² وبعد شهر واحد فقط، انفجرت الأزمة.

وتختصر هذه المفارقة جانباً من مأزق الهجرة في المتوسط، إذ إن تراجع الأعداد لا يؤشر دائماً إلى تراجع الضغط؛ بل قد يعني أن مساراته تتغير.
سبتة ومليلية ودوّامة الهجرة بالمتوسط
لم تكن موجة يوليو/تموز 2026 أول إنذار يأتي من الحدود المغربية الإسبانية. فسبتة ومليلية، بحكم موقعهما على الساحل الشمالي لأفريقيا وخضوعهما للإدارة الإسبانية، تمثلان حالة استثنائية في خريطة الهجرة الأوروبية: هنا لا يفصل المهاجر عن الاتحاد الأوروبي بحر واسع، بل حدود برية وأسوار وممرات ساحلية تضع المغرب وإسبانيا وجهاً لوجه.

ففي مايو/أيار 2021، دخل نحو 9 آلاف شخص إلى سبتة خلال أيام، سباحة أو سيراً بمحاذاة الساحل، وبينهم ما لا يقل عن 1200 قاصر غير مصحوبين بذويهم.³ وجاء ذلك وسط أزمة دبلوماسية حادة بين مدريد والرباط عقب استقبال إسبانيا إبراهيم غالي (Brahim Ghali)، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج.
اعتبر البرلمان الأوروبي آنذاك أن السلطات المغربية خففت مراقبة الحدود في سياق الأزمة، في إشارة إلى ارتباط بالموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية. وبصرف النظر ذلك، فقد كشفت الواقعة مدى سهولة انتقال الهجرة من قضية لضبط الحدود إلى عنصر داخل العلاقات السياسية بين ضفتي المتوسط.
وبعد عام واحد، انتقلت الصورة إلى مليلية بصورة أكثر مأساوية. ففي 24 يونيو/حزيران 2022، حاول نحو ألفي مهاجر الوصول إلى المدينة عبر السياج الحدودي في منطقة الناظور. وانتهت المحاولة بمقتل 23 شخصاً على الأقل وفق الحصيلة الرسمية المغربية، بينما قدمت منظمات حقوقية أرقاماً أعلى.⁴
من سبتة عام 2021 إلى مليلية عام 2022، ثم سبتة مجدداً عام 2026، تغيرت الأعداد والظروف، لكن المعضلة بقيت واحدة: كيف يمكن ضبط حدود تقع عند نقطة التقاء فجوات اقتصادية وديموغرافية وسياسية واسعة من دون تحويلها إلى منطقة أزمة دائمة؟
وفي طرف آخر من المتوسط، لم تكن لامبيدوزا بعيدة عن هذه الصورة. ففي سبتمبر/أيلول 2023، وصل آلاف المهاجرين إلى الجزيرة الإيطالية خلال أيام قليلة، وفاق عدد الوافدين في ذروة الأزمة عدد سكان الجزيرة نفسها. وسارعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (Giorgia Meloni) ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (Ursula von der Leyen) إلى زيارتها، وأعلنت المفوضية خطة طوارئ أوروبية من عشر نقاط.⁵

كانت الصور عمليا متشابهة، وتتمثل في نقطة جغرافية صغيرة، وقدرة استقبال محدودة، وآلاف الأشخاص يصلون في وقت قصير، وحكومة وطنية تطلب مساعدة أوروبا، لكن التداعيات لم تكن متطابقة.
في لامبيدوزا تركز النقاش أساساً على استقبال الوافدين وتخفيف الضغط عن إيطاليا وتسريع العودة وتعزيز التعاون مع تونس. أما في سبتة عام 2026، فقد انتقلت الأزمة سريعاً إلى سؤال آخر: من المسؤول عن حماية الحدود الخارجية، وماذا يحدث لحرية الحركة داخل شنغن عندما تفقد دولة أوروبية الثقة في قدرة دولة أخرى على القيام بذلك؟
الهجرة لا تبدأ عند السياج
ومع ذلك، فإن التركيز على اللحظة التي يصل فيها المهاجر إلى السياج أو الشاطئ قد يحجب الجزء الأكبر من القصة.
قد يبدو التفسير بسيطاً: فقر وبطالة وعدم استقرار في الجنوب، في مقابل أجورمرتفعة وفرص ونمط حياة أفضل في الشمال. لكن عقوداً من دراسة ظاهرة الهجرة أظهرت أن العلاقة أكثر تعقيداً.
يقدم الباحث الهولندي في الهجرة هاين دي هاس (Hein de Haas) مدخلاً مهماً لفهم ذلك. فالهجرة، في مقاربته، لا تنتج من الفقر وحده، بل من التفاعل بين تطلعات الأفراد إلى الانتقال وقدرتهم الفعلية عليه. وقد يؤدي تحسن التعليم والدخل والاتصال بالعالم في بعض مراحل التنمية إلى منح مزيد من الأشخاص القدرة على الهجرة، بدلاً من أن يؤدي مباشرة إلى بقائهم في بلدانهم.⁶
فالمهاجر الذي يصل إلى سياج سبتة، أو ينزل إلى البحر محاولاً الوصول إلى المدينة، لا يتخذ قراره عند الحدود. تسبقه معلومات عن الطريق وفرص العمل والحياة في أوروبا، وشبكات من الأقارب والأصدقاء، وتجارب مهاجرين سبقوه، إضافة إلى حسابات الكلفة والمخاطر وإمكان الوصول.
وبين نقطة الانطلاق والحدود تنشط شبكات تهريب منظمة تستفيد من هذه الرغبة في الهجرة، فتسوّق طرقاً بعينها، وتوفر النقل والإيواء والوسطاء، وتنسق أحياناً مراحل متعددة من الرحلة عبر أكثر من بلد. ومع تشديد الرقابة أو إغلاق أحد المسارات، تتكيف بعض هذه الشبكات، فتنقل نشاطها إلى طرق جديدة أو تغير أساليب العبور.
وتساعد أرقام فرونتكس على رؤية هذه الحركة. ففي 2024 انخفضت عمليات رصد العبور غير النظامي على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 38% إلى ما يزيد قليلاً على 239 ألفاً. وانخفض مسار وسط المتوسط بنسبة 59% وغرب البلقان بنسبة 78%، بينما تحرك الضغط بصورة مختلفة على طرق أخرى.⁷ ولا تمثل بيانات فرونتكس بالضرورة عدداً فريداً من الأشخاص، إذ يمكن رصد الشخص نفسه أكثر من مرة، لكنها تكشف قدرة المسارات على التحول.
ويطلق دي هاس على هذا الاتجاه مصطلح “الإحلال المكاني”؛ فحين يصبح طريق أكثر صعوبة، قد تنتقل الحركة إلى طرق أو وجهات أخرى. ويشير إلى التجربة الإسبانية نفسها، حيث رافق تشديد مراقبة الحدود منذ تسعينيات القرن الماضي تنوع في نقاط العبور البرية والبحرية وزيادة الاعتماد على شبكات التهريب.⁸
وتبعا لذلك تستطيع الحدود جعل الرحلة أصعب وأغلى وأكثر خطراً، وتعطيل نشاط بعض شبكات التهريب، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة العوامل والدوافع التي حرضت الشخص على التفكير في الهجرة والرحيل من موطنه.
حدود أوروبا جنوباً
أمام قدرة المسارات وشبكات التهريب على التكيف، لم تعد أوروبا تنتظر وصول المهاجر إلى شواطئها أو أسوارها حتى تبدأ في إدارة حركته. خلال العقد الأخير تحرك جزء متزايد من سياستها إلى البلدان التي ينطلق منها المهاجرون أو يعبرونها.
وفي هذا السياق باتت مراقبة الحدود، وتدريب قوات الأمن، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، والعودة وإعادة القبول، وتمويل برامج الحماية آليات للتعامل مع أزمة الهجرة وفي المقابل تم فتح بعض المسارات القانونية للعمل والتنقل؛ أصبحت أجزاء من شبكة شراكات تمتد من المغرب وتونس إلى موريتانيا وليبيا ومصر.
وتصف الأدبيات المتخصصة هذا التوجه عادة بـ”تخريج الحدود” (Externalisation)،أي نقل جزء من وظائف إدارة الهجرة والحدود إلى خارج المجال الأوروبي. وفي غرب المتوسط يحتل المغرب موقعاً مركزياً ضمن هذا السياق.
ففي يوليو/تموز 2022 أطلق الاتحاد الأوروبي والمغرب شراكة عملياتية لمكافحة تهريب المهاجرين تشمل دعم إدارة الحدود وتعزيز التعاون الشرطي. وأعلنت المفوضية حزمة دعم إرشادية بقيمة 500 مليون يورو للفترة 2021-2027 لملف الهجرة في المغرب، كان قد اعتُمد منها 150 مليون يورو في برنامج مرتبط بالاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء.⁹
ولا يقتصر التعاون على المنع. فالاتحاد يقدم هذه الشراكات باعتبارها تشمل الحماية والعودة وإعادة الإدماج والمسارات القانونية. كما يقول إنه استثمر أكثر من 200 مليون يورو في مشروعات جارية لمكافحة تهريب المهاجرين تغطي نحو 25 دولة شريكة.¹⁰
تبعا لذلك، لم تعد حدود أوروبا تبدأ عملياً عند سبتة أو لامبيدوزا أو جزر الكناري، لكن نقل جزء من إدارتها إلى الخارج يخلق مفارقة، فكلما ازداد اعتماد أوروبا على دول المنشأ والعبور في الحد من التدفقات، ازدادت أهمية قدرات تلك الدول واستقرار علاقتها السياسية معها.

وظهر ذلك أيضا في تونس بعد أزمة لامبيدوزا، حيث خُصصت 105 ملايين يورو في 2023 لدعم إدارة الهجرة ومكافحة التهريب وتعزيز الحدود والعودة الطوعية ومنع الخسائر في الأرواح في البحر.¹¹ وعندما ازداد الضغط على الطريق الأطلسي، اتجه الاهتمام إلى موريتانيا، التي أطلقت مع الاتحاد الأوروبي في مارس/آذار 2024 شراكة للهجرة، ضمن علاقة أوسع شملت حزمة بقيمة 210 ملايين يورو للتنمية والطاقة والصحة وإدارة الهجرة. وتستضيف موريتانيا نفسها أكثر من 277 ألف لاجئ وطالب لجوء.¹²
وإذا كان لا يصح اختزال العلاقة في أن أوروبا “تدفع للجنوب كي يوقف المهاجرين”. فالمغرب وتونس وموريتانيا دول منشأ وعبور واستقبال بدرجات مختلفة، ولها مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية، لكن في المقابل تظل العلاقة غير متكافئة.
فأوروبا تملك المال والأسواق والتأشيرات والمساعدات، بينما تمتلك دول العبور، التي تدفع بدورها ضريبة قدر الجغرافيا، شيئاً أصبح ذا قيمة سياسية متزايدة: القدرة على التأثير في عدد الأشخاص الذين يصلون إلى حدودها.
عندما تتحول الهجرة إلى ورقة سياسية
أصبحت هذه العلاقة الطردية بين الطرفين أكثر حساسية مع دخول مفهوم “توظيف الهجرة” (Instrumentalisation of Migration) إلى الخطاب والسياسة الأوروبيين في بداية العقد الثاني من القرن العشرين.
وقد برز المصطلح بقوة خلال أزمة حدود بيلاروسيا مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا عام 2021، عندما اتهم الاتحادالأوروبي نظام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو (Alexander Lukashenko) بتسهيل وصول مهاجرين ودفعهم نحو الحدود الأوروبية رداً على العقوبات.
وفي العام نفسه، قدمت سبتة نموذجاً مختلفاً. فقد تزامن دخول آلاف المهاجرين مع الأزمة الدبلوماسية المغربية الإسبانية، واعتبر البرلمان الأوروبي آنذاك أن تخفيف الرقابة المغربية استُخدم للضغط على دولة عضو.³ أما أحداث يوليو/تموز 2026 فكانت أكثر التباساً.
ففي 17 سبتمبر/أيلول تبنى البرلمان الأوروبي، بأغلبية 339 صوتاً مقابل 225 وامتناع 16، قراراً وصف التدفق بأنه “توظيف للهجرة” في إطار تهديد هجين، ودعا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية. لكنه أقر في الوقت نفسه باستمرار عدم اليقين بشأن العدد الدقيق للعابرين والوفيات.¹
ويعبر قرار البرلمان عن موقف سياسي للمؤسسة الأوروبية، لكنه لا يشكل بمفرده دليلاً على أن السلطات المغربية نظمت موجة العبور، ونفت الرباط التواطؤ، بينما ارتبطت الأزمة أيضاً بمعلومات مضللة على شبكات التواصل الاجتماعي ونشاط المهربين.
وتلفت الباحثة سارة يركس (Sarah Yerkes)، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إلى عامل آخر أقل إثارة لكنه أكثر رسوخاً، مشيرة إلى أن الصعوبات الاقتصادية المستمرة وضعف فرص العمل، ولا سيما بين الشباب، بوصفها جزءاً من الظروف التي دفعت كثيراً من المشاركين إلى محاولة العبور.¹³
ويصبح التمييز هنا ضرورياً بين ثلاثة مستويات، فالمهاجر يتحرك بدوافعه الخاصة، وشبكة التهريب تستفيد مالياً من حركته، والدولة قد تستخدم التدفق أو تتسامح معه لتحقيق غرض سياسي. والخلط بينها ينتج تشخيصاً واحداً لظواهر مختلفة، وبالتالي استجابة قد لا تعالج السبب الحقيقي.
حين تصل سبتة إلى شنغن
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الحدود المغربية الإسبانية. فشنغن لا يقوم فقط على إزالة نقاط التفتيش بين الدول، بل على معادلة أعمق، فكل دولة تحمي الجزء الواقع على أراضيها من الحدود الخارجية، بينما تثق بقية الدول في أن هذه الحماية تكفي للسماح بحرية الحركة في الداخل.
وبهذا المعنى، لا تحمي إسبانيا في سبتة حدودها وحدها، مثلما لا تحمي إيطاليا في لامبيدوزا أو اليونان في بحر إيجه حدوداً وطنية فقط، فكل منها يدير جزءاً من الحدود الخارجية لفضاء مشترك. وقد أصابت أزمة سبتة هذه الثقة بشكل مباشر.
أعادت إيطاليا الرقابة على حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا، وربطت الإجراء صراحة بأحداث سبتة وخطر ما سمته “التحركات الثانوية” للمهاجرين داخل فضاء شنغن. وردت إسبانيا برقابة على حدودها مع إيطاليا. وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول مددت روما إجراءاتها مجدداً حتى 16 أكتوبر/تشرين الأول.¹⁴

وهكذا قطعت الأزمة آلاف الكيلومترات من دون أن يقطعها المهاجرون أنفسهم، إذ أعاد حدث على الحدود المغربية الإسبانية حواجز بين دولتين داخل فضاء قام أساساً على إزالة الحواجز.
وإذا كان ذلك قد أحدثا شرخا في الجدار الأوروبي، فقد خلصت دراسات سابقة أعدت للبرلمان الأوروبي إلى أن عودة الرقابة الداخلية في أوقات الأزمات لا تعني بذاتها نهاية النظام. لكن الباحث سيرجيو كاريرا (Sergio Carrera) وزميليه دافيدي كولومبي (Davide Colombi) وروبرتو كورتينوفيس (Roberto Cortinovis) شددوا في دراسة عن وضع شنغن على أن استدامة النظام تتطلب “ثقة مستحقة” تقوم على التطبيق الفعلي لقواعد الاتحاد وسيادة القانون والحقوق الأساسية، لا على التوسع المستمر في الرقابة داخل الاتحاد.¹⁵
ومن هذه الزاوية، لم تعد دلالة سبتة في عدد الذين عبروا إليها فقط؛ بل في أن أزمة وقعت على حدود الاتحاد في أفريقيا أعادت الرقابة داخل أوروبا.
ميثاق جديد واختبار مبكر
دخلت قواعد ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق في 12 يونيو/حزيران 2026. وبعد نحو سبعة أسابيع جاءت سبتة.
ويحاول الميثاق الجمع بين فحص أسرع للوافدين، وإجراءات حدودية للجوء والعودة، وآلية تضامن بين الدول، وقواعد خاصة بالأزمات. وبموجب نظام الفحص، تملك السلطات مدة تصل إلى سبعة أيام للتحقق من الهوية والأمن والوضع الصحي وحالات الهشاشة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يدخلون بصورة غير نظامية.¹⁶ لكن ما حدث في سبتة وضع هذه القواعد أمام واقع يتحرك بسرعة أكبر.
فبحلول 2 أغسطس/آب كان معظم الذين دخلوا المدينة قد عادوا إلى المغرب. وقالت الحكومة الإسبانية إن العودة كانت طوعية، بينما قالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إن قوات الأمن الإسبانية نفذت إعادات جماعية من دون تقييم فردي. كما نقلت هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) تقارير عن جمع أشخاص ونقلهم باتجاه الحدود.¹⁷
ولا يمكن التأكد من أن كل من عاد أُعيد قسراً، مثلما لا يمكن اعتبار عشرات الآلاف الذين دخلوا المدينة طالبي لجوء. فقد كان معظم الوافدين مغاربة، وكان كثيرون يسعون إلى الهجرة لأسباب اقتصادية، لكن بينهم أيضاً أشخاص من السودان واليمن ودول أخرى يمكن أن تكون لبعضهم احتياجات للحماية الدولية.¹⁷
والأكثر دلالة أن المشكلة لم تنته بعودة الغالبية. ففي 13 أغسطس/آب قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا (Fernando Grande-Marlaska) إن نحو 5 آلاف شخص ما زالوا في سبتة، بينما قدرت منظمات محلية العدد بما قد يصل إلى 10آلاف.
وبعد زيارة ميدانية، قالت هيومن رايتس ووتش إنها لم تجد حتى 20 أغسطس/آب ما يدل على بدء إجراءات قانونية أو تقييمات فردية للبالغين الباقين، وتحدثت إلى أشخاص من السودان والصومال وسوريا واليمن ودول أخرى أبدى بعضهم رغبته في طلب اللجوء.¹⁸
وظهرت هنا إحدى أهم مفارقات أزمة سبتة. فقد دخل الميثاق الجديد حيز التطبيق ليجمع بين حدود أكثر انضباطاً وإجراءات أسرع وضمانات للحماية، ثم جاءت أزمة ضخمة لتختبر قدرة العناصر الثلاثة على العمل معاً.
أرقام تنخفض وأزمة لا تختفي
بالنظر في الأرقام الأوروبية الكبرى وحدها، تبدو الصورة أقل حدة. ففي عام 2025 تقدم 669 ألفاً و400 شخص بطلبات لجوء للمرة الأولى في دول الاتحاد الأوروبي، بانخفاض 27% عن 2024. واستقبلت إسبانيا وحدها 21% من الطلبات.¹⁹
وعلى الحدود الخارجية، كانت عمليات الرصد غير النظامي قد انخفضت أيضاً بقوة في 2024. ومع ذلك، لم يمنع انخفاض الأرقام الإجمالية ظهور ضغط شديد في نقاط بعينها. ويعد هذا التفاوت جوهر المشكلة، فالاتحاد قد يسجل تراجعا عاما بينما تواجه جزيرة أو مدينة حدودية أزمة تفوق قدرتها على الاستيعاب.
ويوجد رقم آخر لا يقيس حجم الهجرة، بل كلفتها. وتسجل بيانات مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة 3812 وفاة أو حالة فقدان على طرق الهجرة إلى أوروبا في 2024، ونحو 3400 في 2025. وحتى أحدث البيانات المتاحة لعام 2026، سُجل أكثر من 2200 ميت ومفقود، مع بقاء وسط المتوسط الطريق الأكثر فتكاً.²⁰
وإذا كانت هذه الأرقام لا تعني أن تشديد الحدود يؤدي آلياً إلى الوفيات، مثلما لا يعني فتحها إزالة المخاطر، لكنها تجعل عدد الواصلين وحده مؤشراً غير كافٍ للحكم على نجاح سياسة الهجرة. فهناك من يصل، ومن يعاد، ومن يغير طريقه، ومن يبقى عالقاً في دولة عبور، ومن لا يصل إلى أي ضفة.
حدود أقوى.. أم سياسة أكثر تكيفا؟
تكشف سبتة في النهاية مفارقة أكبر من المدينة نفسها، فقد دخل الاتحاد الأوروبي أزمة يوليو/تموز وهو يملك حدوداً أكثر تحصيناً، ووكالة حدود أقوى، وشبكة أوسع من الاتفاقات مع دول المنشأ والعبور، وميثاقاً جديداً للهجرة واللجوء. وكانت المؤشرات العامة تسجل تراجعاً في الوصول غير النظامي وطلبات اللجوء مقارنة بالسنوات السابقة.
ومع ذلك، استطاع تدفق استثنائي في نقطة صغيرة من الحدود أن يربك المنظومة خلال ساعات، ولا يلغي النجاح في احتواء التدفق، مع شابه من انتقادات، ما كشفته الأزمة، حسب عدبد المحللين.
فقد أظهرت الأزمة أن خفض الأعداد على طريق معين لا يمنع ظهور الضغط في مكان آخر؛ وهي نتيجة تتسق مع تحذير دي هاس من أن بعض القيود تستطيع تغيير جغرافيا الهجرة من دون إنهائها.
وأظهرت أيضا حدود الاعتماد المتزايد على دول جنوب المتوسط. فالتعاون مع المغرب وتونس وموريتانيا أصبح جزءاً أساسياً من قدرة أوروبا على إدارة الهجرة قبل وصولها. ويمكن لهذا التعاون أن يحد من نشاط المهربين ويساعد في العودة والحماية وفتح مسارات قانونية، لكنه يجعل جزءاً من فعالية الحدود الأوروبية مرتبطاً أيضاً بقدرات شركاء خارج الاتحاد واستقرار العلاقة معهم.
أما المفارقة الثالثة والأعمق، فهي أن الحدود الخارجية التي يفترض أن تحمي فضاء بلا حدود داخلية يمكن، عندما تهتز الثقة في إدارتها، أن تعيد الحدود إلى الداخل، وهذا ما جعل أزمة سبتة مختلفة عن مجرد موجة كبيرة من المهاجرين.
ففي لامبيدوزا عام 2023، بقي جوهر النقاش مرتبطاً بالاستقبال والتضامن مع إيطاليا ومنع الانطلاق من تونس. أما في حالة سبتة، فقد امتدت تداعياتها إلى الثقة بين أعضاء الاتحاد أنفسهم وإلى حرية الحركة داخل شنغن.
وبعد شهرين من الأزمة، لم يؤد ما حدث إلى تخفيف سياسة الهجرة الأوروبية، بل إلى مطالب بأدوات أكثر صرامة. وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول اقترحت اليونان إنشاء آلية أوروبية تسمح بتعليق معالجة طلبات اللجوء مؤقتاً أثناء أزمات الهجرة الكبرى، واستشهد وزير الهجرة ثانوس بليفريس (Thanos Plevris) بما حدث في سبتة مثالاً على الحالات التي يرى أن أدوات الميثاق الحالي لا تكفي لمواجهتها.²¹
وبذلك لم تختبر سبتة الميثاق الجديد فقط، بل بدأت تؤثر في النقاش حول ما ينبغي أن يأتي بعده.
لا تستطيع أوروبا الاستغناء عن الحدود، مثلما لا تستطيع دولة منفردة إدارة ظاهرة عابرة للقارات وحدها. وتظهر التجربة أن مراقبة الحدود والتعاون مع دول المنشأ والعبور ومكافحة شبكات التهريب يمكن أن تخفض التدفقات على طرق بعينها. لكنها تظهر أيضاً أن الهجرة قادرة على تغيير طرقها، وأن الأسباب التي تنتجها تقع في معظمها بعيداً عن السياج الذي تظهر عنده.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الذي تطرحه أزمة سبتة هو ما إذا كانت أوروبا تستطيع بناء حدود أقوى. فقد فعلت ذلك بالفعل.
السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تستطيع بناء سياسة أكثر قدرة على التكيف: تحمي حدودها من دون أن تجعل كل ضغط مفاجئ أزمة داخلية، وتتعاون مع دول الجنوب من دون أن تصبح رهينة لذلك التعاون، وتعيد من لا يحق له البقاء من دون تعطيل حق من يحتاج إلى الحماية، وتحافظ في الوقت نفسه على الثقة التي تسمح بحرية الحركة داخل أوروبا.
ففي نهاية المطاف، لم تكشف سبتة فقط هشاشة سياج يقع على الساحل الأفريقي. لقد كشفت مدى ترابط الحدود الخارجية لأوروبا بحدودها الداخلية، وعلاقتها بجيرانها، ونظام اللجوء فيها.
ومن هذه الزاوية، لم تكن أزمة سبتة اختباراً لقدرة إسبانيا على حماية بضعة كيلومترات من الحدود بقدر ما كانت اختباراً لسؤال ظل يلاحق أوروبا منذ أزمة الهجرة الكبرى قبل أكثر من عقد:
هل تستطيع إدارة الهجرة باعتبارها سياسة أوروبية مشتركة، أم ستظل كل أزمة جديدة تعيدها إلى حدود الدول ومصالحها الوطنية؟
المصادر والمراجع
1. البرلمان الأوروبي، “قرار بشأن الهجمات الهجينة الأخيرة وتوظيف المهاجرين في سبتة والحاجة إلى استجابة منسقة لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي”، 17 سبتمبر/أيلول 2026.
2. إدارة الأمن القومي الإسبانية، نقلاً عن وزارة الداخلية، “تدفقات الهجرة غير النظامية”، بيانات الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 30 يونيو/حزيران 2026، 2 يوليو/تموز 2026.
3. البرلمان الأوروبي، “قرار بشأن انتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل واستخدام القاصرين من جانب السلطات المغربية في أزمة الهجرة في سبتة”، 10 يونيو/حزيران 2021.
4. هيومن رايتس ووتش، “إعادات سريعة عقب عبور مهاجرين إلى سبتة”، مع الإشارة إلى حصيلة أحداث حدود مليلية في 24 يونيو/حزيران 2022، 4 أغسطس/آب 2026.
5. المفوضية الأوروبية، المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، “الهجرة: خطة المفوضية من عشر نقاط بشأن لامبيدوزا”، سبتمبر/أيلول 2023.
6. هاين دي هاس (Hein de Haas)، دراسات حول تطلعات الهجرة والقدرة على تحقيقها وأسباب الهجرة الدولية.
7. الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، “انخفاض حاد في عمليات العبور غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي خلال 2024″، 14 يناير/كانون الثاني 2025.
8. هاين دي هاس (Hein de Haas)، “الهجرة الدولية: الاتجاهات والمحددات وآثار السياسات”، دورية السكان والتنمية، المجلد 45، العدد 4، 2019، ص 885-922.
9. المفوضية الأوروبية، إجابة مكتوبة للبرلمان الأوروبي بشأن دعم الاتحاد الأوروبي للمغرب في مجال الهجرة، وحزمة إرشادية بقيمة 500 مليون يورو للفترة 2021-2027.
10. المفوضية الأوروبية، “مكافحة تهريب المهاجرين”، بيانات برامج التعاون والشراكات الدولية، وتتضمن أكثر من 200 مليون يورو لمشروعات جارية في نحو 25 دولة شريكة.
11. المفوضية الأوروبية، “دعم الاتحاد الأوروبي للهجرة في تونس”، حزمة 2023، وتتضمن تخصيص 105 ملايين يورو لإدارة الهجرة ومكافحة التهريب والحدود والعودة والحماية.
12. المفوضية الأوروبية، “موريتانيا”، الشراكة الأوروبية الموريتانية في الهجرة وحزمة التعاون البالغة 210 ملايين يورو؛ وبيانات استضافة أكثر من 277 ألف لاجئ وطالب لجوء.
13. أليخاندرو مارتين رودريغيز (Alejandro Martin Rodriguez) وسارة يركس (Sarah Yerkes)، “موجة الهجرة التي أحرجت المغرب وهزت أوروبا”، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 6 أغسطس/آب 2026.
14. المفوضية الأوروبية، المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، “إعادة فرض الرقابة مؤقتاً على الحدود الداخلية لفضاء شنغن”، الإخطارات الإسبانية والإيطالية المحدثة حتى 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
15. سيرجيو كاريرا (Sergio Carrera)، دافيدي كولومبي (Davide Colombi)، وروبرتو كورتينوفيس (Roberto Cortinovis)، “تقييم وضع منطقة شنغن في الاتحاد الأوروبي وحدودها الخارجية”، دراسة أعدت بطلب من لجنة الحريات المدنية والعدل والشؤون الداخلية في البرلمان الأوروبي، 15 مايو/أيار 2023.
16. خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي، ستيفن بلاكمان (Steven Blaakman) وماريا مارغريتا منتزيلوبولو (Maria Margarita Mentzelopoulou)، “أزمة المهاجرين في سبتة: ماذا تعني لإسبانيا وبقية الاتحاد الأوروبي؟”، 10 سبتمبر/أيلول 2026.
17. هيومن رايتس ووتش، جوديث سندرلاند (Judith Sunderland) ولورين سيبرت (Lauren Seibert)، “إعادات سريعة عقب عبور مهاجرين إلى سبتة”، 4 أغسطس/آب 2026.
18. هيومن رايتس ووتش، “إسبانيا: أزمة إنسانية وحقوقية في سبتة”، 21 أغسطس/آب 2026.
19. يوروستات، “انخفاض طلبات اللجوء للمرة الأولى بنسبة 27% في 2025″، 25 مارس/آذار 2026.
20. المنظمة الدولية للهجرة، مشروع المهاجرين المفقودين، “الوفيات والمفقودون على طرق الهجرة إلى أوروبا”، بيانات 2024 و2025 و2026، مستخرجة في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
21. رويترز، “اليونان تقترح تعليق طلبات اللجوء في حالات الطوارئ”، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026.







