مع بداية الحرب الأفغانية مع الإتحاد السوفيتي وقتها في عام 1978-في الوقت الذي ترجع فيه بعض الكتب والمصادر الأزمة إلي عام 1973- وحدوث حالة من النفرة العربية إلي «أرض الجهاد» وقتها بمباركة رسمية من الدول العربية وتسهيل إجراءات الدخول إلي كابول عبر باكستان، نزح الكثير من العرب وخصوصا الجماعات الإسلامية إلي هناك رغبة في نصرة «المجاهدين الأفغان» بحسب ما كان يطلق عليهم وقتها.
كثير من الجماعات المصرية و غير المصرية أرسلت أبنائها إلى هناك، مثل جماعة الإخوان المسلمين و الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وبعض الأفراد الغير محسوبين على واحدة من هذه التيارات، البعض منهم قتل هناك والبعض الآخر بقي هناك وعدد قليل قرر العودة إلى مصر، ليجد بأنتظاره ما يعرف بقضية «العائدون من أفغانستان».
في تلك الأثناء تولد ما يعرف بـ« الأفغان العرب» أو ما أسميه أنا بـ« الجيل الثاني من العائدين من أفغانستان»، وأعني بهم من سافروا مع زويهم في سن مبكرة، أو من ولدوا هناك، وعاشوا تجربة، لم يكن لهم خيار في اختيار أحداثها، ووجدوا أنفسهم طرفا في قصة وقضية ليس لهم فيها دخل.
وإن كان دائما ما تسلط الأضواء على القادة الفاعلين من ذوي الأسماء الرنانة التي تحتل قوائم الأجهزة الأمنية الدولية والمحلية، والصفحات الأولى للصحف والمواقع، والركيزة الأساسية التي تعتمد عليها مراكز الأبحاث والدراسات لتقييم والحكم على التجربة.
لكن القليل وربما ندر من يتحدث عن عنصر«مفعول به» وليس فاعل في الأحداث، مغلوبون على أمرههم، وجدوا في قلب التجربة دون رغبة منهم إلا أنهم كانوا أبناء لأفراد أو قادة قرروا السفر والإنضمام للقتال في أفغانستان أو غيرها من مواقع القتال سواءا في الشيشان أو البوسنة والهرك أو غيرها من الدول.
بعد فترة من الزمن يقرر هذا الجيل مجبرا أيضا أو برغبة منه، العودة لديارهم التي «سمعوها عنها» فقط بعد هذه الفترة ويقيموا هذه التجربة و يجيبوا على العديد من الأسئلة التي وجهت إليهم عن حياتهم هناك وكيف سارت؟، عن تعليمهم و معيشتهم وطفولتهم وكيف قضوها؟ عن أيام فرحهم و ليالي حزنهم عن لعبهم وتدريباتهم العسكرية وعن حياتهم تحت القصف كيف عاشوها؟ ولحظات الرعب تحت أزيز الطائرات وطلقات المدافع؟ عن الرعب والخوف والحرمان؟ وعن علاقتهم بالأطفال الأجانب وعن أسامة بن لادن؟ عن بلدهم وكيف كانوا ينظرون إليها أهي جانية عليهم أم هم الجناة؟.
لاتوجد إحصائية رسمية بعدد الأسر التي عادت من أفغانستان، حيث كانت العودة تتم بشكل ودي وتنسيق من السلطات المصرية، عبر أحد قادة الجماعة الإسلامية والذي رحل عن الحياة منذ عامين تقريبا، ولم تتح الفرصة لنعرف منه إحصائية من عادوا لمصر.
في الأونة الأخيرة ساءت الأوضاع جدًا في أفغانستان، بعد أن استطاعت المخابرات الأميركية أن تصنع جيلاً جديدًا من المقاتلين العرب غرست بينهم بذور الشك والفتنة، فسادت حالة من الهرج والمرج والقتل و الأغتيال والإعتقال، اختفت القيادات وانفرط عقد التنظيم، وظهر جيل جديد التحقوا بالقاعدة مؤخراً برزت عليهم أمارات التشدد الأكثر والتكفير الزائد عن الحد، فكانوا هم النواة التي صنعت تنظيم «داعش» فيما بعد.
كثير من الأسر المصرية والعربية بعد هذه الحالة التي ظهرت في أفغانستان فكرت جدياً في العودة إلي بلادها، لاسيما و قد ساهمت ثورات الربيع العربي في عودة الطيور المهاجرة، وزال الخوف من الوقوع رهن الحبس والإعتقال في حال العودة.
جيل لم يختر الحرب… لكنه وُلد داخلها
تبدأ الحكاية مع «أنس» من مواليد السودان عام (95)، تلك الفترة التى كان فيها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن فى السودان، ولم تكن أسرة أنس هي الوحيدة في السودان، حيث كان هناك ما يقارب من الـ 23 أسرة أخرى، بعدد أفراد يزيد عن الـ« 500»، فمكثت هذه الأسر فى السودان ما يقرب من العام ،حتى جاء أمر من أميركا للرئيس السوداني السابق عمر البشير بترحيل بن لادن والذين معه، خصوصاً وقد بدأ بن لادن في عمل مشاريع استثمارية في السودان تقدر بـ نحو 6 مليون دولار، تركها جميعاً عندما غادر الخرطوم.
أسرة « أنس » – الإسم الحركي لصاحب القصة – كانت واحدة من الأسر التي تركت السودان ، حيث تم نقلهم علي متن طائرات سودانية إلى أفغانستان مباشرةً ، وكان في استقبالهم الملا يونس خالص – زعيم الحزب الإسلامي وواحدا من ضمن الـ (17) حزبا الذين كانوا في نزاع على السلطة في أفغانستان بعد رحيل الروس، إلا أنه اعتزل الفتنة وقرر أن يتفرغ لإدارة قبيلته.
جمعت صداقة قوية – بحسب ما يرويه « أنس » – بين الملا خالص و بين بن لادن ، خصوصًا مع نظرة الأول لبن لادن كونه رجل أعمال ومستثمر ومن شأنه أن ينهض ويرفع من أوضاع البلاد الاقتصادية، لاسيما بعد الحرب الطويلة التي أنهكتها سواءًا مع الاتحاد السوفيتي وقتها، أو الصراع بين الفصائل الأفغانية المتحاربة على السلطة.
صراع الأشقاء
قبيل تلك الفترة شهدت أفغانستان صراعا ممتدا بين الفصائل التي ساهمت من قبل في طرد الروس من كابول ، وبقيت الحرب قائمة بين برهان الدين رباني وقائد جيوشه أحمد شاه مسعود وبين حركة طالبان بقيادة الملا محمد عمر، بعد قرار قلب الدين حكمت يار الإنسحاب من الحرب الدائرة وهزيمة بعض الفصائل والأحزاب الأخرى الأقل قوة وعددًا ، في هذه الأونة قرر بن لادن ومن معه من المقاتلين العرب وخصوصاً المصريين اعتزال ما وصفه بالفتنة وقال : «أخرجنا الإتحاد السوفييتى من أفغانستان والحرب انتهت».
عقب اغتيال «مسعود» تغيرت الحياة تماماً بنسبة الـ (180) درجة، « أنس » هنا يصف لنا تلك الفترة فيقول: «بعد ما كنا نمشى متخفيين في سيارات معتمة أصبحت السيارات المعتمة رمز القوة، وأصبح يشار إلينا بأننا من قمنا بتخليص أفغانستان من حالة الإحتراب التي كانت تعيشها بين الفصائل، وقد فرح معظم الشعب الأفغاني بموت «مسعود» حتى بعض أتباعه فرحوا بذلك، والبعض منهم رضخ لقوة طالبان لسيطرتها على الأوضاع هناك، وكونها صارت الممثل الرسمي للدولة وكذلك للدين الإسلامي الذي يميل إليه الشعب.







